الشوكاني
439
فتح القدير
( 10 - 16 ) ( قوله ومن الناس من يجادل في الله ) أي في شأن الله ، كقول من قال : إن الملائكة بنات الله ، والمسيح ابن الله ، وعزير ابن الله . قيل نزلت في النضر بن الحارث ، وقيل في أبى جهل ، وقيل هي عامة لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم ، وعلى كل حال فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ وإن كان السبب خاصا . ومعنى اللفظ : ومن الناس فريق يجادل في الله ، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله ، أو صفاته أو شرائعه الواضحة ، و ( بغير علم ) في محل نصب على الحال : أي كائنا بغير علم . قيل والمراد بالعلم هو العلم الضروري ، وبالهدى هو العلم النظري الاستدلالي . والأولى حمل العلم على العموم ، وحمل الهدى على معناه اللغوي ، وهو الإرشاد . والمراد بالكتاب المنير هو القرآن ، والمنير النير البين الحجة الواضح البرهان ، وهو وإن دخل تحت قوله ( بغير علم ) فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة ، وذلك لكونه لافرد الكامل الفائق على غيره من أفراد العلم . وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي ، فقد حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي ، فتكون الآية متضمنة لنفى الدليل العقلي ضروريا كان أو استدلاليا ، ومتضمنة لنفى الدليل النقلي بأقسامه ، وما ذكرناه أولى . قيل والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى ، أعني قوله " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد " ، وبذلك قال كثير من المفسرين ، والتكرير للمبالغة في الذم كما تقول للرجل تذمه وتوبخه أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا ؟ ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى ، فكأنه قال : ومن الناس من يجادل في الله ويتبع كل شيطان مريد بغير علم ( ولا هدى ولا كتاب منير ) ليضل عن سبيل الله اه ، وقيل الآية الأولى في المقلدين اسم فاعل . والثانية في المقلدين اسم مفعول . ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال : إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين لتابعيهم ، والثانية عامة في كل إضلال وجدال ، وانتصاب ( ثاني عطفه ) على الحال من فاعل يجادل ، والعطف الجانب ، وعطفا الرجل جانباه من يمين وشمال ، وفى تفسيره وجهان : الأول أن المراد به من يلوى عنقه مرحا وتكبرا ، ذكر معناه الزجاج ، قال وهذا يوصف به المتكبر . والمعنى : ومن الناس من يجادل في الله متكبرا . قال المبرد : العطف ما انثنى من العنق والوجه الثاني أن المراد بقوله ( ثاني عطفه ) الإعراض : أي معرضا عن الذكر ، كذا قال الفراء والمفضل وغيرهما كقوله تعالى - ولى مستكبرا كأن لم يسمعها - وقوله - لووا رؤوسهم - ، وقوله - أعرض ونأى بجانبه - ، واللام